الاثنين، مايو ٢٢، ٢٠٠٦

انتهاك أعراض الفتيات

علاقة انتهاك أعراض الفتيات والبطش بالقضاة بصلاحيات الرئيس الموازي-
طبيعة معركة اللاعودة بين الأمن المصري وقوي التغيير الوطني
محمد عبدالحكم دياب
القدس العربي
تواتر الصور وتتابعها في المشهد السياسي المصري يؤكد ما قيل مرارا وتكرارا عن موت النظام السياسي في مصر، وجاء هذا نتيجة طبيعية لموت السياسة، حيث لم يتحمل ذلك النظام عودة السياسة واسترجاعها لدورها وتأثيرها، لأن العودة تمت خارج ما هو رسمي وإداري وأمني. ولو أن هناك نظاما أو شلة أو عصبة حية لوجدنا فيها روحا تؤكد وجود هذه الحياة.. فهل هناك حياة بلا إحساس، وبلا سمع، ولا نظر، وبلا عقل، وهل يوجد كائن حي من البشر دون تفكير أو حركة، أو ضمير، وهل هناك بين الأحياء من لا يخاف المجهول، أو فاقد قدرة التعامل مع البشر؟ كل هذا وغيره أضحي غائبا، في كل الصور والأشكال، ونجد من يدعي أن نظام حسني مبارك ما زال حيا. والحقيقة هي أن الباقي لا يعدو أدوات من ذلك النوع الذي لدي الوحوش الكاسرة.. علي شكل مخالب وأنياب ووجود هذه الأدوات وحدها يؤكد الموت ولا ينفيه.والمؤسسة الأمنية في نظام ميت لم يعد لديها غير أن تحافظ علي نفسها كمؤسسة للبلطجة والعنف، وهذا جعلها تقف في مواجهة القانون والعدالة، وتفقد الضمير الوطني والشعور الإنساني. ومؤسسة تتجرد من كل هذا تكون عرضة للإيجار لمن يدفع ويوفر لها مطالبها وامتيازاتها، وفيها يجد الطامحون والطامعون في وراثة النظام ضالتهم، فعملت لحساب من استولي علي السلطة والثروة والنفوذ، وسادت فيها تقاليد لا علاقة لها بتقاليد الأمن الحقيقية، وسلكت سلوك البلطجي وهو يعتمد في حياته علي العدوان والبطش والابتزاز. ويجد أنه كلما تمادي في بلطجته كوفئ بشكل لا يتوقعه هو نفسه، ليستمر علي ولائه وتبعيته، وينفصل عن الناس والمجتمع. حتي أننا اكتشفنا، الأسبوع الماضي، أن ضابط أمن الدولة الذي هتك أعراض المحاميات والصحافيات في فضيحة الأربعاء الأسود 25 ايار (مايو) 2005، تمت مكافأته وعين مستشارا في سفارة مصرية بعاصمة أوروبية كبري، وخبر تعيين هذا الضابط لم يقع علي رأس المصريين وحدهم كالصاعقة، بل اندهش له العاملون في المنظمات الدولية الناشطة في مجال الحريات وحقوق الانسان، وهم يحفظون اسم هذا الضابط وغيره من البلطجية في ملفاتهم، انتظارا ليوم يقدم فيه للمحاكمة، باعتباره من مرتكبي جرائم ضد الإنسانية، لا تقل عن جرائم الحرب.طفح الكيل ووصل الأمر إلي منتهاه، فمنذ مدة انتقلت البلطجة إلي الشوارع.. تحت مرأي وسمع أجهزة الإعلام والصحافة، وتجاوزت جرائمها الحدود، وتمارس أساليب جماعات المرتزقة، لا أساليب أجهزة الأمن، المضبوطة بالقواعد القانونية والتشريعية. و المرتزق يمكن استئجاره بهدف قتل الخصوم وملاحقتهم، وهذا هو حال جهاز الأمن المصرية، ينشر الموت، إلا أنه موت من نوع آخر.. قد يكون أشد إيلاما من الموت العضوي.. موت نفسي ومعنوي، عن طريق اهدار الكرامة، وهتك الأعراض، وسحل العزل والأبرياء، من أجل إعادة اليأس إلي النفوس، من جديد. وكان تصوره أن المرأة هي نقطة الضعف في مجتمع عربي متدين، وكانت المفاجأة أن المرأة أصبحت مصدر القوة في معركة التغيير. وكان أقوي ما فيها هذه الروح الفدائية في المواجهة.المرتزق لا يعرف غير مهنة واحدة هي مهنة القتل، قتل الأجساد والنفوس.. تدرب عليها ويتعيش علي ريعها وعائدها، وسادته ورعاته يقتلون فيه الإحساس والنخوة والرجولة، ولو كان غير ذلك لكان قد قدر أن من ينتهك عرضها أو يتم التحرش بها وسحلها قد تكون أمه أو أخته أو زوجته، لكن ما يشب عليه المرتزق يجعله لا يتورع عن انتهاك أعراض محارمه وأمه وزوجته، ومن لا عرض له لا وطن له ولا مبدأ ولا قيمة، ومثل هذا المخلوق لن يتواني عن تقديم محارمه قربانا، ويستبيح أعراضهم بشكل مهين. وجرائم المرتزقة تكشف طبيعتهم ومدي ما تدنت إليه نفوسهم، ورغم بشاعات تصرفاتهم إلا أن ذلك، في المقابل، كشف القدرة الكامنة في قوي التغيير علي التحدي، وأزاح الغبار عن الوجه الحقيقي للوطن، وكانت السيدات والفتيات النموذج الناصع لشرفه. أحيين الخنساء من مرقدها فأعدن النخوة والهمة والشرف، والقيم النبيلة وكانت قد جفت وفسدت وتعفنت. قمن بتلقين المرتزقة دروسا لن يعونها إلا بعد فوات الأوان.. فعبير العسكري، الصحافية الشابة من صحيفة الدستور الاسبوعية، وندي القصاص، من حركة كفاية ، وغيرهما، تمتعن بصلابة صارت مضرب الأمثال، فضمهم سجل خنساوات العرب، في فلسطين ولبنان والعراق، وأعطين المعركة، في مصر، معني يؤكد أنها معركة اللاعودة.وفي معارك اللاعودة يشحذ كل طرف قواه وأسلحته، و المرتزق بأسلحته الباطشة كثيرا ما تفاجئه أسلحة المستضعفين، من إرادة وعزم وعمل إيجابي وصمود خارق، وهذه الأسلحة وسعت من مساحة المواجهة حتي احتوت كل قوي التغيير، وهي معارك تسقط، من ناحية أخري، كافة الأقنعة التي غطت جهاز الأمن المصري، وعرت وجهه القبيح وهو يمارس مهمة القتل مقابل أجر ، وبعد أن كان الأمن يمارس توحشه داخل أقسام ومراكز الشرطة والأمن، وفي المعتقلات، فإنه الآن يمارسه تحت سمع وبصر العالم كله!! ومعركة اللاعودة معركة أخيرة وحاسمة، وكلا طرفيها لا يقبل بأقل من النصر، وهذا ما جعلها تأخذ هذا الشكل الشرس، وإمكانية النصر متاحة أمام قوي التغيير الوطني.. بعد أن تمحور طرفاها حول مركزين: عائلة حسني مبارك ومواليها، وسلاحها جهاز أمن متوحش، وبقايا غير وطنية ونفايات من رجال أعمال يحاربون معركتهم الأخيرة من جهة. وقوي التغيير التي غطت كل المجتمع تقريبا من جهة أخري، ولم تبق هناك قوة لها قيمة ترفض التغيير أو تقبل بدوام الحال علي ما هو عليه، و استمرار تحكم ثالوث الاستبداد والفساد والتبعية.لكن لماذا يحارب جهاز الأمن معركة لا أمل في الانتصار فيها بهذه الوحشية وانعدام الخلق؟ السبب هو أنه في ظل أيديولوجية الارتزاق يعنيه ما يحصل عليه من مقابل. من وزير يتقاضي مليونين من الجنيهات شهريا، إلي مديري أمن تصل دخول بعضهم إلي نصف مليون جنيه شهريا، وضباط متوسطي الرتب يحصلون علي الآلاف كل شهر، فكل الرسوم والاتاوات التي تفرضها الشرطة والمحليات علي الأفراد والمرافق والمحلات، تصب في جيوب رجال الأمن المختلفة، فالرسوم والاتاوات المفروضة علي الكهرباء والنقل والبلديات والسياحة والمرور، وبدلا من صرفها علي تحسين الخدمات توزع مكافآت وهبات علي الشرطة ورجال الأمن، وهو جهاز تقول آخر الإحصائيات أن عدده وصل إلي ما يقرب من 700 ألف، بينهم ما يقرب من مئة ألف ضابط. وصحيح أن كبار الضباط يحصلون علي نصيب الأسد من الغنيمة إلا أن الأنفار والمندوبين والأمناء لهم نصيب منها. السبب الآخر أن حجم ما ارتكب من جرائم من العاملين في هذا الجهاز تجاوز قدرته علي العودة إلي حيث كان، ومثل هذه العودة لا يكفي فيها الاعتذار، من أناس لم يتربوا علي هذه الفضيلة.. وضحاياهم في كل بيت، وبين كل عائلة. فمن لم يعتقل أو يعذب يهان بشكل أو آخر، ومن لم يهن يتحمل أذي البلطجية، الذين يسومونهم العذاب.ولأن السياسة تهمة وجريمة تستوجب العقاب الدائم، من وجهة نظر هذا الجهاز، فالعداء الذي ترسخ في عقله جعله لا يقبل بأقل من رضوخ الناس لتسلطه ووحشيته ومشيئته، وهذا دفعه للتفاني في خدمة عائلة حسني مبارك ومواليها.. يدوس علي رقاب مخالفيها، وهم الآن بالملايين، ولأن القضاة أتهموا مؤخرا بأنهم يعملون بالسياسة نالهم ما نال باقي القطاعات التي اقترفت هذا الفعل المجرّم، فاستشعروا هول ما حدث لغيرهم. فمجرد أن مارسوا حقا بسيطا من حقوقهم المشروعة والإنسانية تجرعوا نفس الكأس، ولم تحمهم حصانتهم أو يقيمهم وقارهم بطش جهاز أمن تغول بشكل سرطاني في كل شيء. اعتدي عليهم وسحلهم جهارا نهارا وأهدر كرامتهم.. وغـــرس بذلك بذرة ثقافة الثأر وقيمه المتخلفة، وجعل التربة المصرية خصبة للعنف السياسي بعد أن كان حكرا علي العنف الديني. وقد سئلت كثيرا، من أي نوع هذا البشر ممن يعملون في هذا الجهاز؟، ومن أي طينة؟، وأي بطن حملتهم؟ ومن أين جاءوا؟ وأين كانت هذه الوحشية الكامنة؟ هل لها علاقة بنقل السلطة إلي الرئيس الموازي ؟ ومع قناعتنا بفوارق الزمن والنشأة فإن التوحش يرتبط بهذين العاملين. وإذا كان حسني مبارك عمل بشكل أكثر سرية في قهر الناس وإهدار كرامتهم، فإن الرئيس الموازي تبني مبدأ بـ الجزمة وسياسة العين الحمرا ، في التعامل مع مخالفيه، وكان ذلك واضحا في الانتخابات الأخيرة، كأول انتخابات يشرف علي إدارتها بالكامل.. كانت تعليماته داخل غرفة العمليات، بمقر الحملة الانتخابية بمصر الجديدة، لمواجهة أي خروج علي إرادته هو الضرب بالجزمة وإظهار العين الحمرا ، وما بين الجزمة والعين الحمرا ، دارت وقائع معارك عديدة إلي أن وصلت الأوضاع إلي ما هي عليه الآن. ويظهر منها أن عودة جهاز الأمن والشرطة إلي حضن الشعب ثانية صار صعبا إن لم يكن مستحيلا.بعد أن اطمأن هذا الجهاز إلي موت الأحزاب السياسية، وبعد أن أصبح لا يري الخطر في غير الإخوان المسلمين، وبعد أن ترك مهمة تأمين الإقرار الأمريكي إلي النجل وإلي رجال الدولة الصهيونية، الذين لا يطمأنون إلي التغيير المتوقع في مصر، سواء قاده إسلاميون أو قوميون أو يساريون أو ليبرليون، أو الكل مجتمعا، فهم يفضلون النجل علي هؤلاء جميعا. وظهرت قوي التغيير أنها أكبر من طاقة الأمن علي السيطرة، ودائرة الرفض اتسعت ووصلت إلي المصريين في الخارج، وكانت البداية اعتصام السبت الماضي أمام السفارة المصرية بلندن، وهو تحرك، لا يمكن التشكيك فيه لأنه تم بالتنسيق مع الداخل، وامتدادا له، وشاركت فيه كل تيارات وتوجهات قوي التغيير الوطنية، فهل يقوي جهاز الشرطة علي التصدي لذلك، ويمنع التغيير؟ أعتقد أن الأوان قد فات.